يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

568

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بالمدينة ، فلما رآه النبي صلى اللّه عليه وسلم وهم في اسمه ، فقال : أنت أبو نملة ، قال : أنا أبو ذر ، قال : نعم أنت أبو ذر . وذكر تمام الخبر . وجاء في فضله أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال فيه : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر . ومات بالزبدة رضي اللّه عنه . رجع الكلام بعد ذكر هؤلاء الزهاد العباد إلى بقية خبر إرم ذات العماد : وقع في كتاب الممالك والمسالك أنه وجد في الإسكندرية عمود رخام عليه مكتوب بالقلم المسند ، وهو القلم الأوّل من أقلام حمير : أنا شدّاد بن عاد ، سددت بذراعي الواد ، وقطعت عظيم العماد ، من الجبال والأطواد ، وبنيت إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ، أردت أن أبني هاهنا كإرم وأنقل إليها كل ذي قدم ، من جميع العشائر والأمم ، فأصابني ما أعجلني وعما ذهبت إليه قطعني حال طال مع وقوعها همي وشجني وقل نومي ووسني ، فارتحلت عن هذه الدار لا لقهر جبار ولا لخوف جيش جرار ، ولكن لتمام المقدار وانقطاع الآثار وسلطان عزيز جبار ، فمن رأى أثري وعرف خبري وطول عمري ونفاذ صبري وشدة حذري فلا يغتر بالدنيا بعدي . فصل : عجائب الإسكندرية : وإذ قد ذكرت ما قال الناس في إرم ذات العماد من الغرائب فإني أذكر ما شاهدته في الإسكندرية من العجائب . فعلى هذه الأخبار بنيت هذه الأسفار ، لأن فيها تنفيسا للنفوس من البوس وترويحا للأرواح من العبوس . وكل ينفق مما أولاه مولاه ، وأبدأ بما ذكره مؤلف كتاب الفتوح : أخبر أن عمرو بن العاص لما افتتح الإسكندرية كتب إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : أما بعد فإني افتتحت مدينة لا أصف ما فيها ، غير أني أصبت فيها أربعة آلاف بنية بأربعة آلاف حمام . قال : ووجدت فيها اثني عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر ، وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية ، وأربعمائة ألف ملهى للملوك . وقيل كان بالإسكندرية فيما أحصي من الحمامات اثنا عشر ألف ديماس ، أصغر ديماس فيه سبعة آلاف مجلس ، كل مجلس يسع جماعة ، هذا نصه . وأما أنا فأخبرني مخبر بالإسكندرية أن داخل سورها أربعة آلاف مسجد ، وقال آخر : ستة آلاف ، وأن خارجها ألف مسجد ، وكان ذلك إذ دخلتها سنة إحدى وستين وخمسمائة ، وهي أصغر مما كانت أوّلا ، إذ بناها الإسكندر ، بأضعاف كثيرة ، رأيت بخارجها على نحو ميل منها بابا عظيما ، أعني بناء باب قد تهدّم ما حوله ، وبقي على قارعة الطريق بقبلتها . يقال من ذلك المكان كانت المدينة أوّلا . وأما منارتها فبينها وبين المدينة نحو ميل أيضا أو أكثر بجنوبيها ، وهي في جزيرة صغيرة في الماء ، وقد بني منها إلى البر